مجمع البحوث الاسلامية
758
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
وجاء بعضها أيضا ضدّ العظمة فحسب ، أي بمعنى الصّغير والحقير والضّئيل ، ومنه : الجلّ والجلّ : قصب الزّرع وسوقه إذا حصد عنه السّنبل . والجلّة والجلّة : البعر ، يقال : جلّ البعر يجلّه جلّا ، أي جمعه والتقطه بيده ، واجتلّ اجتلالا ، التقط الجلّة للوقود ، وإنّ بني فلان وقودهم الجلّة ، وهم يتجلّون الجلّة : يلتقطون البعر ، وخرجت الإماء يجتللن : يلتقطن البعر . وإبل جلّالة : تأكل العذرة ، والجلّالة : البقرة الّتي تأكل الجلّة والعذرة ، يقال : جلّت الدّابّة الجلّة واجتلّتها ، أي التقطتها ، فهي جالّة وجلّالة . 3 - كما استعملت في هذه المادّة لغات من « ج ل و » ، كقولهم : استعمل فلان على الجالية والجالّة ، والأصل فيها : « الجالة » بدون تشديد ، أي استعمل على جزية أهل الذّمّة ، لأنّهم جلوا عن أوطانهم . وجلّ الرّجل عن وطنه يجلّ ويجلّ جلولا : أخلى موطنه ، وجلّ القوم من البلد يجلّون جلولا : جلوات وخرجوا إلى بلد آخر . أمّا قولهم : أنت جللت هذا على نفسك تجلّه ، أي جررته وجنيته ، فهي لغة ، والأصل فيها « الرّاء » أي من : جرّ يجرّ . 4 - والجلّ : الورد أبيضه وأحمره وأصفره ، واحدته : جلّة ، وهو معرّب من الفارسيّة ، وأصله فيها « گل » ، أي الورد مطلقا . الاستعمال القرآنيّ جاء منها لفظ واحد مرّتين ، وصفا للّه تعالى ، في آيتين من سورة الرّحمان : 1 - كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ * وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ الرّحمن : 26 ، 27 2 - تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ الرّحمن : 78 يلاحظ أوّلا : أنّ هناك خلافا بينهم في معنى ( الجلال والاكرام ) في الآيتين ، فأكثرهم قالوا : ( ذو الجلال ) أي ذو العظمة والسّلطان ، أو ذو العظمة والكبرياء المستحقّ لصفات الكمال ، أو الّذي يقال له : ما أجلّك وأكرمك ! أو من عنده الجلال والإكرام للمخلصين من عباده ، أو الاستغناء المطلق ، أو هو أهل أن يجلّ فلا يعصى ، وأن يطاع فلا يخالف ؛ وعليه ف ( الجلال ) معنى ثبوتي . وقال بعضهم : ( الجلال ) التّنزيه ، من قولهم : هو أجلّ من هذا ، أو الّذي يجلّه الموحّدون عن التّشبيه بخلقه وعن أفعالهم . قال الفخر الرّازيّ : الجلال إشارة إلى كلّ صفة هي من باب النّفي ، كقولنا : اللّه ليس بجسم . [ إلى أن قال : ] والتّحقيق فيه أنّ ( الجلال ) هو بمعنى العظمة ، غير أنّ العظمة أصلها في القوّة والجلال في الفعل ، فهو عظيم لا يسعه عقل ضعيف . . . وهذا هو الحقّ عندنا ؛ وعليه فصفات الجلال والجمال كلّها ثبوتيّة ، تنفي كلّ نقص عنه وتثبت كلّ كمال له . قال الطّباطبائيّ : « في الجلال شيء من معنى الاعتلاء والتّرفّع المعنويّ على الغير ، فيناسب من الصّفات ما فيه شائبة الدّفع والمنع كالعلوّ والتّعالي والعظمة والكبرياء والتّكبّر والإحاطة والعزّة والغلبة » وكأنّه أراد إرجاع الصّفات السّلبيّة إلى أنّ أصلها الصّفات الثّبوتيّة .